Friday, 10 June 2011

مصر: نظام رئاسي، برلماني ام مختلط؟ مقارنة.ـ

تصحيح مفاهيم سياسية: مصر: نظام رئاسي، برلماني ام مختلط؟ مقارنة.ـ


احد اكثر الاسئلة الحاحا في مصر الآن هو اي شكل من اشكال الحكم سيقوم عليه نظام الجمهورية الثانية المصرية. و الاشكال الثلاثة المعروفة و المطروحة هم: النظام الرئاسي، النظام البرلماني و النظام المختلط. سوف استعرض امامكم الثلاثة انظمة، ثم اطرح قضية ايهم انسب، بصورة مختصرة.

١- النظام الرئاسي: بالاساس هو نظام يكون الرئيس صاحب سلطات واسعة. ينتخب الرئيس مباشرة من قبل الشعب لفترة محددة، و قد يكون هناك حد لعدد المرات الممكن انتخابه بها، و لا يحتاج الرئيس الى دعم حزب للترشح بالضرورة. بقدرة هذا الرئيس التقدم بمشاريع قوانين و يكون له القدرة على سن بعض القوانين مباشرة دون الرجوع الى البرلمان في بعض مجالات التشريع، و هو عادة القائد الاعلى للجيش و قد يكون له في بعض الحالات القدرة على اعلان الحرب بدون الرجوع الى البرلمان ايضا. و اذا سن البرلمان مشروعا و اعترض هو عليه، يستطيع استخدام حق النقض عليه (الفيتو) و اعادته الى المجلس، و في حالة اعادة الموافقة عليه بأغلبية خاصة اعلى من المعتاد في البرلمان (اما الثلثان او الثلاثة ارباع) يصير المشروع قانونا. و عادة يعين الرئيس بنفسه رئيس الوزراء و يتدخل في تعيين الوزراء و الرؤساء الموسسات الهامة بالدولة، و يمثل الرئيس الدولة في الخارج و يمضي المعاهدات بإسمها.





النظام البرلماني: يكون هنا رئيس الدولة (رئيس او ملكا) منصب شرفي، و القوة الحقيقية بيد رئيس الوزراء و البرلمان. تقام انتخابات برلمانية بين الاحزاب، عادة على اساس القائمة النسبية (راجع المقالة السابقة عن الموضوع). و بعد نهاية الانتخابات، تبدأ الاحزاب باحتساب عدد مقاعدها. اذا فاز حزب بأغلبية واضحة من المقاعد (اكثر من ٥٠٪)، يقوم هذا الحزب بإختيار رئيس الوزراء و يعينه رسميا رئيس الدولة بعد اختيار المجلس او الائتلاف له، و يكون بيد رئيس الوزراء ادارة شئون الدولة و تمثيلها بالخارج. و تتركز القوة بيد الاحزاب و يتحكم الحزب الحاكم بصورة اقوى في رئيس الوزراء لانه يستطيع استبداله في اي لحظة. و اذا فقد الحزب الحاكم الاغلبية المطلقة (مثلا ٥١٪) و لكنه حافظ علي اعلى عدد اصوات لحزب واحد (مثلا ٣٥٪)، فيستطيع اما ان يحاول ان يحكم منفردا اوان يشكل ما يسمى بالائتلاف بينه و بين حزب او اكثر. و قد تشكل الاحزاب الاخرى هذا الائتلاف و تكون اغلبية بينها و تُخرج هذا الحزب الاكبر (ذي ال٣٥٪) من الحكم (مثلا: ثلاثة احزاب تحكمت معا في ٦١٪ في المقاعد مقارنة بال٣٥٪ للحزب الاعلى اصواتا). و قد يأتي رئيس الوزراء من اي حزب من احزاب الائتلاف، حتى و كان لو حزب اقلية، حسب الاتفاق بين الاحزاب المئتلفة، و تقسم بينها الحقائب الوزارية عادة حسب اهمية كل حزب و حجم نجاحه في الانتخابات و اهمية الوزارة. اما اذا فشل الائتلاف بعد فترة من العمل معا، تحاول الاحزاب تشكيل ائتلاف جديدا. و اذا فشل ذلك، فإما ان تحاول الحكم منفردة او ان تطلب انتخابات جديدة. و في بعض الحالات يكون من سلطة رئيس الدولة اختيار رئيس وزراء في حالات الغموض السياسي كتلك.



النظام المختلط: و له اشكال عدة. يُنتخب رئيس الدولة و يكون له سلطات واسعة و يمثل الدولة بالخارج، و يكون هناك ايضا برلمان قوي. و قد يختار حزب الاغلبية او ائتلاف الاغلبية رئيس الوزراء و يُجبر رئيس الدولةعلى قبوله حتى و ان كان من حزب معارض، او يُعين رئيس الدولة رئيس الوزراء حسب اختياره، الا انه "قد" يضطر لاختياره من حزب الاغلبية في البرلمان و خاصة ان لم يكن من نفس حزب الرئيس بدافع الاعتراف برغبة الشعب في هذا الحزب التي تمثلت في نتائج الانتخابات، او بدافع تهدئة الحروب المستمرة مع الاحزاب المعارضة اذا حازت على نسب عالية. و يتم توزيع القوة و المسئولية بين الرئيس و البرلمان، و عادة ما يترك للرئيس الكلمة الاخيرة في مسائل ما، و يترك للبرلمان الكلمة الاخيرة في اخريات.

و تطبق الانظمة البرلمانية في اغلب الدول الاوروبية، و الانظمة الرئاسية في اغلب دول اسيا و امريكا اللاتينية و امريكا الشمالية. و اشهر نظام مختلط هو النظام الفرنسي.

ايهما افضل اذا؟ الثلاثة انظمة لهم مزاياهم و عيوبهم و نجاح كل نظام او فشله ينطبق على عناصر عديدة، منها طبيعة الشعب، اسلوب الانتخابات التشريعية و الرئاسية، الخريطة السياسية للبلد، ثقافة الشعب (نوعا و مقدارا)، نوعية التحديات السياسية و الاجتماعية و الامنية و الاقتصادية امام الدولة، و غيرها، بالتالي، ليس من الضرورة ان احدهم هو الافضل.

مشكلة النظام البرلماني انه يخاف من الناخب اكثر من المطلوب، و يحاول ان يرضيه بأي طريقة تسمح له بالحصول على مقاعد اكثر في المجلس، حتى و ان تطلب ذلك النظر على المدى القصير و عدم التفكير بصورة كافية في احتياجات المدى الطويل. بالاضافة الى ذلك، يكون من شبه المستحيل وصول المستقلين لسدة الحكم. و يكون رئيس الوزراء تحت رحمة حزبه الذي يستطيع ان يغيره في اي لحظة تقريبا (الحزب يجتنب ذلك حتى لا يعطي صورة بالاهتزاز و عدم الثبات، الا انه تحدث صراعات داخلية كبيرة كما حدث بين براون و بلير على الحكم في بريطانيا، دفعت ببلير للتخلي عن الحكم لبراون). النظام الرئاسي، على الجانب الآخر، يعطي فرصة للرئيس المنتخب ان ينظر لمصلحة الدولة على المدى الطويل و ان يتحرر من سيطرة حزبه نسبيا و التركيز امور الحكم. مشكلته طبعا هو الخوف من تركز مساحات واسعة من القوة في يد الرئيس و ما لذلك من احتمالات مقلقة، و قد يفكر الرئيس على المدى المتوسط و البعيد في سنواته الأولى و يتجاهل بعض قضايا المدى القصير الملحة). ايضا اذا اختار الشعب رئيس من حزب ما و انتخب مجلس اغلبه احزاب معارضه، فهذا قد يؤدي الى شلل الحياة السياسية و عدم القدرة على اتخاذ اي قرارات او احداث سياسات واسعة و تجديدية بصورة ثورية. النظام المشترك قد يجمع مزايا النظامين، و لكن ان لم يطبق و يُصمم بصورة جيدة فسيجمع عيوبهما معا.

ماذي اُفضل انا شخصيا؟ عادة ما تكون اجابة من يؤثر السلامة او ليس له اجابة و يريد ان يبدو حاذقا هي الوسطية، الا انني اعنيها هنا. افضل في الاساس ان يكون هناك رئيس قوي ذو سلطات واسعة، يستطيع ان يركز على القضايا طويلة المدى و الشديدة الاهمية دون التركيز في المعارك السياسية و المقاعدية البرلمانية اكثر من المطلوب. و اذا كان وراء هذا الرئيس برلمان قوي يستطيع ان يراقبه و يوقفه عن حده اذا تجاوزه، و هذه احد اهم ادوار البرلمان بطبيعة الحال، بل و يعزله اذا لزم الأمر، فذلك سيكمل التركيبة المثالية بالنسبة لي. و يمكن ان يكون رئيس الوزراء يمثل حزب او ائتلاف الاغلبية مثلا كنوع آخر من انواع التوازن. اذا، رئيس منتخب قوي، برلمان منتخب قوي.

اي كان الذي سيحدث، فمصر خارجة من ثورة، و الشعب غاضب و ثائر، و اتخوف من ان السياسيون سيريدون ارضاء الناخب و الشعب على بأي صورة من اجل البقاء في الحكم، حتى و لو كان ذلك عن طريق التلاعب بالناخب او اعطائه ما يريده حالا حتى ولو كان ذلك سيئا على المدى الطويل، و قد يؤدي ذلك الى سياسات رنانة و ان كانت حقيقة بشعة (خاصة اقتصاديا) و توسع في الانفاق العام بصورة كارثية، و لا توجد خريطة حزبية في مصر اساسا من حيث المبدأ يقوم عليها نظام برلماني ان اردنا، و الشعب المصري لم يمارس الديمقراطية من قبل و كشفت قضية الاستفتاء كيف يمكن التأثير على الشعب بشعارات دينية و معلومات مغلوطة و التخويف، و كل هذا "قد" يولد تجربة سياسية مبنية على اللعب على المشاعر و التفكير على المدى القصير. مصر تحتاج اما الى نظام رئاسي او لنظام مختلط ذو رئيس قوي، و لا مخاوف من ولادة دكتاتور جديد في ظل برلمان شفاف منتخب و اعلام حر مفتوح. و هذا رأيي و قد اكون مخطئ.


---------------
المقالات السابقة في السلسلة:
٥- توضيح مفاهيم سياسية ٤: الاشتراكية و الشيوعية
---------------
ملحوظة٢: اذا كانت هذه زيارتك الاولى الى المدونة، فارجو ان تتكرم بالقاء نظرة على القائمة التي على اليمين و التي تحتوي على اهم مقالات المدونة.
شكرا جزيلا.


No comments:

Post a comment